مــكر التــاريخ في إيـــران
من المفارقات التي تحسب لمكر التاريخ أن الإدارة الأمريكية بإصرارها علي حصار إيران وإسقاط نظامها, فإنها قدمت أكبر خدمة للتيار المحافظ هناك. حين قوت من ساعده ودفعت الناس للالتفاف حوله والاحتماء بتشدده.
(1) عند المقارنة يمزح بعض المثقفين في طهران قائلين إن العون الذي قدمه الأمريكيون من حيث لم يحتسبوا للمحافظين الإيرانيين لم يكن الوحيد في بابه, لأن الأقدار بدورها ساعدتهم وجاملتهم ــ يدللون علي ذلك بأنه في حين شحت الأمطار وضرب الجفاف محافظتي سيستان وبلوشستان في عهد الرئيس السابق( الإصلاحي) محمد خاتمي, فإن الأمطار لم تتوقف في المنطقة ذاتها إبان عهد الرئيس أحمدي نجاد القادم من عمق المحافظين. وإذ وصل سعر برميل النفط إلي8 دولارات في عهد الأول, فإنه تجاوز تسعين دولارا وبصدد الوصول إلي رقم مائة في عهد الثاني. وهي الملاحظة التي يعتبرها المثقفون من قبيل المصادفات السعيدة, في حين يأخذها بعض أهل الحوزة في قم علي محمل الجد, ويعتبرونها من بركات وكرامات المحافظين.
أول انطباع خرجت به من الزيارة التي حضرت خلالها مؤتمرا عن التضامن في العالم الإسلامي, أن ثمة إنتعاشا وثقة مخيمين علي معسكر المحافظين, يقابلهما إرتباك وقلق بين الإصلاحيين. بل لعلي لا أبالغ اذا قلت أن المرء لايكاد يسمع ذكرا للإصلاحيين إلا في أوساط المثقفين. أما المحافظون فهم الحاضر الأكبر في الشارع وفي الإدراك العام, لسبب جوهري هو أنهم أصبحوا يتصدرون الواجهات في مختلف قطاعات الدولة ومؤسساتها, التنفيذية والتشريعية والقضائية.
لا غرابة في ذلك, فهذا زمانهم. هذه العبارة تكررت في العديد من المجالس التي شهدتها. الذين يقولون بذلك يشرحون وجهة نظرهم علي النحو التالي: رغم أن الحاصل هو من قبيل تداول السلطة, الذي يعد مؤشرا إيجابيا بحد ذاته. إلا أن ذلك التداول فرضته ظروف كان بعضها داخليا والبعض الآخر خارجيا. من الظروف الداخلية أن الإصلاحيين إنقسموا علي أنفسهم فتشتتوا وضعفوا, فجماعة الشيخ هاشمي رفسنجاني( كوادر البناء) وقفوا في جانب, وجبهة المشاركة التي وقفت وراء السيد خاتمي وقفت في جانب آخر, وفي المسافة بين الفريقين تناثرت عناصر القوي الإصلاحية. من تلك الظروف أيضا أن الرئيس خاتمي اهتم بالتنمية السياسية وبالحريات العامة ولم يهتم بالتنمية الإقتصادية, الأمر الذي رفع من درجة المعاناة بين الناس وأشعرهم بأن أوضاعهم لم تعد أفضل في ظل حكم الإصلاحيين, من تلك الظروف كذلك أن السيد خاتمي الذي ظل طوال سنوات رئاسته( من1997 إلي2005), يحسن من صورة إيران في الخارج ويمد جسور التفاهم مع العواصم الغربية, رافعا رايات الدعوة إلي حوار الحضارات, لكن هذه التحركات لم تسفر عن شئ يذكر إذ حسنت الصورة ولم تحسن الحال.
بل أن حكومة خا تمي حين ذهبت في عام2001 إلي مدي بعيد في التعاون مع الولايات المتحدة بوجه أخص, وساعدتها في إسقاط حكومة طالبان التي ناصبت طهران العداء, فإن واشنطن ردت عليها بإهانة لاتنسي. إذ كافأتها بأن ضمتها إلي محور الشر الذي تحدث عنه الرئيس بوش في عام2002.
(2) الضغوط والعوامل الخارجية كان لها دور أكبر في ترجيح كفة المحافظين وإستدعائهم. ذلك أنه كلما اشتد الحصار الأمريكي والضغط الغربي علي إيران, وحين يتصل الأمر بكرامة البلد وكبريائه الوطنية, فإن الناس يقابلون المهانة والحصار بمشاعر التحدي والرفض. وهذه المشاعر تدفعهم إلي الإنحياز إلي القوي المخاصمة للغرب والأمريكان, بإعتبار أن التطرف الغربي ينبغي ألا يقابل بتسامح إيراني. وإنما يرد عليه بتشدد مماثل, حيث لايفل الحديد إلا الحديد. صحيح أن الذين مارسوا تلك الضغوط أمريكيين كانوا أم أوروبيين ما تمنوا خيرا لا للمحافظين ولا للإصلاحيين, وإنما أرادوا هدم البنيان علي كل من فيه, إلا أن المقادير أرادت شيئا آخر. فالسهام التي لم يكفوا عن إطلاقها تحول بعضها إلي مكافآت وهدايا قدمت بالمجان للمحافظين الأشد خصومة لهم, في حين أصاب البعض الآخر أصدقاءهم في معسكر الإصلاحيين, الذين فقدوا أغلبيته في الإنتخابات النيابية التي جرت عام2003, كما خسروا رهاناتهم علي الإنتخابات الرئاسية في عام2005. فقد كان التصويت لصالح أحمدي نجاد والخسارة التي مني بها






















